Mon. Oct 21st, 2019

الامة العربية

al umma al arabia

المعتصم خلف: واقع الفكر اليميني بين الماضي والحاضر

1 min read

المعتصم خلف

“الحقيقة واحدة أما الغلط فمتعدد، فليس من قبيل المصادفة أن يتبنى اليمين التعددية”

بهذه الكلمات شرحت الكاتبة الفرنسية وصاحبة كتاب واقع الفكر اليميني سيمون دي بوفوار الذي ترجمه المفكر السوري جورج طرابيشي أساس فكر اليمين لتؤكد لنا أن الخطاب الذي يكرسه اليمين يعيدنا يومياً نحو بداية..

اختراع الخوف:

بداية من اختراع الخوف الذي لطالما انتهجهُ اليمين في خطابه السياسي والذي يشكل الأساس المشترك لكل إيديولوجيات اليمين، فدائماً ما يتم هذا الاختراع بقدرة رهيبة على تكريس المضمون، مثل الخوف من الآخرين، الخوف على الدين، الخوف الجيني “الأصيل”

ففي الماضي عمل اليمين على تكريس مفهوم الخوف من الانهيار، فالطبقات البرجوازية التي نطق باسمها ليحميها كان يربط غيابها بمفهوم انهيار الحضارة، والعرق الإنساني، بالاعتماد على كلمات مثل “موت أوروبا” ، “أفول الغرب”، ” نهاية العالم… “

وبذات الرعب الذي يعمل على تقسيم الناس، والتهديد بنهاية الدولة والحكومة وانهيار الحضارة يعمل اليمين اليوم ليطبق فاشيته و عنصريته .. باختراع الخوف أولاً ليكرر نفسه مطبقاً أصول فقهه من جديد في العالم، بذات العبارات والحماس والقوة، معتمداً على خوف أتباعه..

الأمر الذي يعيدنا إلى جملة الكاتب الفرنسي جول رومان:

“أن تكون من اليمين، فهذا معناه أن تخاف على ما هو موجود”

الأمر الذي يكرره زعماء اليمين اليوم، من انهيار دول وقوانين وحياة في حال رحيلهم أو تنازلهم.

هذا الرحيل المرهون بالنهاية هو واحد من الأساسيات التي تربط النشأة بالاستمرار.

حتى منطلق القلق الذي بدأت الكاتبة سيمون دي بوفوار به دراستها، كان قلقاً جافاً يبدأ من اليمين وينتهي به لأنه يدل على خوف اليمين الدائم من السقوط.. ويعطينا شعور أن لليمين أيدٍ لن تتبدل مع التاريخ لأنها غالباً ما تتحسس نهاية شيء ما فيه وعليه، لذلك يعيد بناء اختراعه للخوف.

التلاعب بالمصطلحات:

ويفتح هذا الشرح البسيط سباق المصطلحات التي يتلاعب بها اليمين ويسعى إلى شرحها كما يريد، فأيدي اليمين لها صوت لن يتبدل أبداً بين الماضي والحاضر، صوت جاهز ولا يجيد سوى مسخ الكلمات وتنسيقها ضمن جداول يختارها هو.

واحدة من أهم المصطلحات التي ما زال اليمين يجيد استخدامها والتي لم تخرج من أيديه بعد هي كلمة “البربرية” التي يطلقها على “الآخرين” والتي تفتح في ذهن المستمع أبواباً مغلقة في اللغة ونحو الآخر مثل “الهمج” أو “المقمِّلون”، ولربما هذه أهم الصفات التي لاحقت المهجرين العرب..

ترتفع الأيدي وتصوب ناعتة صفة البرابرة على الشيوعية في الماضي، وعلى المهجرين في الحاضر.

فلعب اليميني بالمصطلحات والكلمات يعتبر هو الأخطر في مجال عمله، لأنه يقدم هالة قوة وتضخيم له في مواجهة عدوه..

ومصطلحاته اليومية اليوم وتطورها ورصدها أظنه أمراً يحتاج لمجلدات.

ملامح الأساليب الجديدة “الغرائبية”:

اليمين اليوم يحاول أن يبني نفسه من ظل الهزائم

-الأمر الذي لطالما مهد لعودته-

مستعيداً في هذه العودة ملامح الماضي وأحداثه وخاصة في لبنان، متمسكاً بأهم أسباب وجوده وهي فكرة الحماية والدفاع.

فهو لا يتعامل مع نفسه على أنه منقذ مثلما كان في الماضي بقدر ما هو حامٍ يعلو بالجدارن والأقفاص والدروع ويعزز التقسيم ويسن القوانين التي تمنع الإيجار لبعض الأديان تحت مسمى حماية المناطق مثلاً أو منع هجرة الآخرين “البرابرة”، وكل هذا يُعلن بخطابات رنانة سريعة الانتشار لطابعها الذي لم يعتد عليه العامة، فالغرائبية التي ينتهجها اليمين اليوم هي أساس دعايته التي لم تكن موجودة في الماضي، وتصرفاته الخارجة عن المألوف وجمله الهاربة من اتيكيت المقابلات الرسمية أصبحت أداة لوصول الخطاب بشكل واضح..

في الماضي سعى اليمين لتمكين خطابه بضم أصوات المفكرين ليرفع من قيمة خطابه وبهذا يحتكر الحقيقة ويبرر الظلم، الأمر لم ينجح معه غالباً في الحاضر، أو لم يستطع الوصول إليه بسبب غياب كاريزما الشخصية “المفكرة” التي استند عليها في الماضي..

فاليوم لا يستند اليمين على الفكر في بناء جمله، بل ينتهج السخرية والغرائبية، وعلى تصرفات لم يقم بها السياسيون الذين اعتدنا على سماعهم، حتى في تبرير الفساد أو الأخطاء، فغالباً ما يتم هذا التبرير بجمل قصيرة ساخرة تنتهي مع بدايتها..

نجاح اليمين في بعض الدول وسنه لبعض القرارات لا يعتمد على الفروق الفكرية بل على تفسيرات ميتافيزيقية ليضيع فيها الجوهر.

ففي الماضي كان اليمين يرى أنه من الأفضل أن يضرب بقوة بدلاً من أن يحاجج ويجادل ويبحث عن حلول، وعندما جُرّدت الحركات اليمينية من سلاحها في الماضي وارتفع الخطاب الروحي شعرت بالضعف، اليوم يمتلك اليمين منطقاً جديداً يستطيع من خلاله المحاججة والجدال بأسلوبه الجديد.

وما أن يُظهر نفسه أمام الجمهور حتى يطرح مفهوم القوة، فتُستبدل الجمل المدروسة، بجمل القوة والوعيد التي استطاع اليمين اليوم التركيز عليها.

ولأنني لست الآن بصدد تجزئة اليمين وتقسيمه بقدر ما أهدف للعمل على فهم منهجه الجديد، وصورته، فإن عنوان اليمين بين الماضي والحاضر -العنوان الذي يبدو ساذجاً للوهلة الأولى- هو أن اليمين هو اليمين كيفما كان بأساسيات ثابتة لا تتغير، ولكن عقائد اليمين تغيرت اليوم، مثل اللامبالاة التي يعمل عليها اليمين والتي تظهر نتائجها على القيم والمشاعر الإنسانية، ففي الماضي تقول سيمون دي بوفوار أن اليمين كان يسعى إلى إضفاء طابع العمق على وسائل انتشاره لذلك لجؤوا إلى التحليل النفسي، ولكن اليوم لكي يكرس اليمين فكره ويحيط نفسه بهالة من الفكر والعمق فيما يفعل يسعى من خلال الإعلام إلى ربط المشاكل المصيرية التي تواجهها حكومته بتفاصيل صغيرة لا توثر على سير مؤسسات الدولة أو منشآتها، فمثلاً في لبنان ربط اليمين بين وجود السوريين ومرض السرطان ولكي ينجو من سؤال (لماذا هم ؟) برر كل شيء بكون السوريين محرومين همجاً ولدوا في الحرمان والطين.. في حين كانت أزمة النفايات قائمة في وقتها.

ومن مزايا هذا التحليل أن جميع الحلول التي يسعى إليها اليمين لحل مشاكله تبدو خيالية حتى اليوم، وهذا لا ينطبق على لبنان فقط بل على اليمين المعاصر بشكل عام.

شروط التعليق: التزام زوار "هنا العرب" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Copyright © All rights reserved | Hunaalarab
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com