Mon. Aug 3rd, 2020

الامة العربية

al umma al arabia

محمد أعزيز: الإبداع والنسق.. هل يواصل الشباب العربي معركة الضلال الإبداعي

محمد أعزيز: الإبداع والنسق.. هل يواصل الشباب العربي معركة الضلال الإبداعي

محمد أعزيز

يشهد التاريخ البعيد والقريب أن كل محاولات التجديد الإبداعي لاقت استنكارا ورفضا من النسق التقليدي، الذي ينصب نفسه وصيا على الحركة الإبداعية، عبر تسييجها بحدود تستمد مفاهيمها الكبرى مما تركه الأسلاف، في محاولة لإلغاء دورة التاريخ، وسنة الخلق، فسلط هجماته على كتاب السرد الحديث في بدايات التعاطي الإيجابي مع الرواية، لدرجة أن الكثير من مقترفي جرم السرد كانوا يمارسون غواية الكتابة السردية الحديثة  بحذر شديد خوفا من “تهمة” القص بنوعيه الوجيز والممتد، فالنسق التقليدي المشدود إلى نموذج المقامة والترسل .. لم يدخر جهدا في مهاجمة مبتدعي التجديد الكتابي المتمثل أنذاك في التعاطي لشكلي الرواية والقصة..

النسق التقليدي شن حملة على هذين الجنسين لأنهما في نظره يدخلان ضمن باب الكذب ووسموا المنجذبين إليهما بممتهني الكتابة الرخيصة .. وغير ذلك من التهم التي حاول النسق من خلالها محاربة المجددين، والتضييق علي العملية الإبداعية المستندة إلى الخيال الخلاق، لذلك فالصراع كان و ما يزال يين نسقين متضادين، نسق مرتهن إلى الجمود والتخشب والغرق في التقليدانية، ونسق مضاد طموح يجنح نحو تجديد صيغ التعبير إنه النسق التخيلي بتعبير الناقد  عبد الله إبراهيم،  نسق متمرد على القوالب الجاهزة، رافض للتنميط ، وقد ظل عبر التاريخ كل منتسب إلى جناح التجنيح والتجديد محاربا ومهمشا ومقصيا على الدوام، بفعل تحالف نسق الوثوقية  مع السلطة في كثير من المحطات لردع كل محاولة  تجديدية، لعل المتأمل لتجربة جماعة كركوك الشعرية سيتلمس ما نرمي إليه، فشعراء هذه  الجماعة تفرقت بهم السبل وكان مصيرهم الشتات والمنفى بين أصقاع المعمور، مجسدين في ذلك الانسجام بين دعوى التمرد الإبداعي الخلاق والدعوة إلى مناجزة السلطة بما هي تغول واستبداد، في مقابل هذا، كان بعض ممثلي النسق التقليدي ينتعشون بتدبيج عموديات المدح والتمجيد للزعيم الخالد.

هكذا  يمكن القول إن جناية تيار الوثوقية، المشدود إلى الماضي، بأسماله، لا حد لها على الإبداع، إذ تماهى هذا التيار مع الثقافة الرسمية في مواجهة كل محاولات التجديد، حيث ظل مرتهنا إلى شعارات المجد الزائفة وشن حربا شرسة على كل من سولت له نفسه شيئا من المغايرة، فسخر كل وسائله وأجهزته لمحاصرة “المروق الإبداعي” منتقلا بين التسفيه والتشكيك والتخوين، مدعوما في ذلك بالمؤسسة الدينية الحامية لحمى اللغة العربية جل شأنها وتعالت عن دنس المدنسين من متمردي الاختلاف، المسكونين بهوس الإبداع، الحالمين بأفق أرحب للحياة، المغضوب عليهم من دعاة التحنيط.

إن رفاق الضلال الإبداعي لم يغادروا مواقعهم، قابضين على جمرة الإبداع المتقدة في دواخلهم بألم.

أستدعي هذا الكلام حين أتأمل ما يتم تجييشه ضدهم إعلاميا وما يُحشد لهم دعائيا مخافة أن “يغرروا” بالشباب فينحرف عما رسمه الأسلاف.

فهل يواصل شباب اليوم معركة الضلال الإبداعي الجميل لاختراق آفاق الخلق، عبر الغوص في أقاصي اللغة لابتداع ما يرمي بكل هذه القمامات التعبيرية في رفوف الذاكرة، فيشق له طريقا خليقة بما عايشه من تداع وانكسار وانحسار.

*كاتب مغربي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Copyright © All rights reserved.