Mon. Oct 21st, 2019

الامة العربية

al umma al arabia

.العيب فينا وليس في إيران

 علي الصالح

طار جون بولتن مستشار الأمن القومي من إدارة ترامب بوجهه العبوس، ولم يحتمل، هذا الذي يعد على الصقور في السياسة الأمريكية، ويعادي كما اعتقد كل ذي بشرة غير بيضاء، لم يحتمل أكثر من تغريدة واحدة من تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفجرية، التي يدير بها شؤون الدولة العظمى، كي ينضم إلى ثلاثة من غيره احتلوا منصب مستشار الأمن القومي في عهد ترامب.
وصف ترامب بولتن، مبررا قرار إقالته، بأنه شخص قاس ويميل إلى التدخلات والحسم العسكري. وسبق ترامب قرار إقالة مستشاره للأمن القومي، حسب صحيفة «واشنطن بوست»، بإبعاده عن عدد من القضايا، منها مفاوضات الدوحة مع حركة طالبان، حتى أنه منع من الاطلاع على البروتوكولات من دون مرافق.
وبخروج بولتن تزال عقبة كبيرة كانت في طريق التقارب الإيراني الأمريكي. وكان أكثر رجال الإدارة سعادة بخروجه من البيت الأبيض، وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي كان يتحدث عن إقالة بولتن وهو منفرج الأسارير، غير قادر على إخفاء فرحته. استقالة بولتن ما هي إلا مفتاح للحديث، أو بالأحرى المقارنة بين النظام الإيراني وإدارته للعلاقات الخارجية، والأنظمة العربية المحيطة وإدارتها لعلاقاتها الخارجية، خاصة مع الولايات المتحدة. وفسر أحد مستشاري الرئيس الإيراني حسن روحاني، إقالة بولتن بالقول، إنها تشير إلى فشل استراتيجية الضغط على إيران. وأضاف المسؤول أن تهميش بولتن، ومن ثم إقالته ليس صدفة، بل إنها مؤشر حاسم إلى فشل استراتيجية الضغط الامريكية أمام المقاومة البناءة لإيران.
أعلن ترامب جهوزيته للقاء الرئيس روحاني، للاتفاق على نسخة جديدة من الاتفاق النووي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، من دون شروط مسبقة، كما قال بومبيو بعد ساعات على إقالة بولتن. لم يسل لعاب روحاني ومستشاريه لدى تلقيهم هذا العرض، واشترطوا رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلادهم أولا.
وحسب مصادر إسرائيلية فإن ترامب قد يقرر تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران قبل انطلاق أعمال الجمعية العامة، توطئة لعقد اللقاء. ويشكل هذا القرار إذا ما اتخذ، صفعة ليس لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي نصب العداء للإدارة الأمريكية السابقة لتوقيعها الاتفاق النووي مع إيران، ساعيا إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران، التي تزعم أنها ستبيد إسرائيل اذا ما تجرأت واعتدت عليها.
والشيء بالشيء يذكر ففي الشهر الماضي، أشارت تقارير صحافية إسرائيلية، إلى أن طاقم نتنياهو، بذل جهودا حثيثة للوصول إلى الرئيس الأمريكي، خلال مشاركته في قمة مجموعة دول السبع في فرنسا، لحثه على عدم الاجتماع بوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلا أن ترامب لم يستجب لهواتف نتنياهو وطاقمه. ويشكل هذا القرار صفعة أشد للانظمة العربية، لاسيما الخليجية التي تزعم أنها تواجه خطرا إيرانيا، أو هكذا أقنعتها الولايات المتحدة، لتبقي عليها تحت سيطرتها، والتي لا بد أن تشعر بخذلان الإدارة الامريكية الحالية، كما شعرت به أبان ولاية الرئيس السابق باراك أوباما. وكانت هذه الأنظمة شديدة الانتقاد للرئيس أوباما وإدارته، لكنها عاجزة عن توجيه كلمة انتقاد واحدة للرئيس ترامب، الذي قد يزعزع هذه الأنظمة، التي لا يكِنّ لها أي احترام، وينظر اليها كبقرة حلوب تدر عليه مليارات الدولارات، يزعزعها من جذورها بتغريدة فجرية واحدة.

إيران كما إسرائيل وتركيا قوى إقليمية رئيسية لها مصالحها ومطامعها هذه القوى يؤخذ برأيها في قضايانا نحن الداخلية ولا يؤخذ برأينا

نبارك للأنظمة العربية عموما، بهذا اللقاء المرتقب بين ترامب وروحاني، ونخص بالمباركة أنظمة الخليج، لاسيما النظام السعودي الذي دفع ثمن أول لقاء مع ترامب حوالي450 مليار دولار، عربون محبة، ونبارك خصوصا لولي العهد محمد بن سلمان المتورط في حرب بالوكالة، مع إيران منذ نحو أربع سنوات في خاصرته الجنوبية، حرب استنزاف لا يعرف كيف يخرج منها، خاصة أن الاوضاع في اليمن تشابكت بعدما اختلف الحليفان، السعودية والإمارات، وأصبحا في مواجهة بعضهما بعضا. حرب لا نعرف إن كان ترامب سيغير موقفه فيها بعد المصالحة، ليصطف إلى جانب إيران، التي يرى فيها قوة إقليمية يعتمد عليها، أو بالاحرى يتجنب شرها ويحيدها، ولا استبعد عليه شيئا.
ولا تقتصر هذه المعاملة الإيجابية والمميزة لإيران، ومحاولات إرضائها، على الرئيس ترامب، بل تطال الزعماء الأوروبيين الذين شهدوا على الاتفاق النووي، وبعضهم عرض عليها مساعدات مالية سخية تصل إلى نحو15 مليار دولار، لاسيما الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون. ليس حبا بإيران التي تقدم الخدمات لهم عبر استخدامها بعبعا يرعبون به الانظمة الخليجية العاجزة عن الدفاع عن نفسها، كي تبقى تحت رحمتها وتبقي على عجلة مصانع سلاحها دائرة.
باختصار فإن الانظمة العربية أو بالاحرى الخليجية هي من تُحلب وتدفع المال الوفير وهي سعيدة بذلك، وإيران من تتلقى الإغراءات المالية، وأنظمة الخليج ترتعد خوفا وتتصرف بحماقة وتداهن، وإيران هي من يفرض الشروط. الخليجيون يتمنون رضا ترامب، وهو الذي يعاملهم باحتقار وبئر دولارات يغرف منها كيف ومتى يشاء، وإيران تستخدم كالبعبع الذي يخيف هذه الأنظمة وتحصل على المكافآت. والأنظمة الخليجية تهرول نحو التطبيع مع إسرائيل والتواصل معها لكسب رضى الأمريكي، وإيران هي التي تهدد وتتعزز وتضع الشروط للقاء رئيسها روحاني مع ترامب، إيران تكسب الأصدقاء والخليجيون يخسرونهم. الدول الخليجية تخسر حروبها في المنطقة، وايران تكسبها. نعم من حق إيران اقتناء السلاح النووي، كما غيرها في المنطقة، إسرائيل وباكستان والهند، فإذا كان لدى هذه الدول الحق في اقتناء السلاح النووي، فإن من حق غيرها في المنطقة اقتناءه. كما من حق العرب اقتناء السلاح النووي، لكن لا شيء يقدم على طبق من ذهب. وليس من حق أنظمة الخليج بسبب عجزها، التعاون مع ألد اعداء الأمة متمثلة بدولة الاحتلال، والولايات المتحدة، في محاولات لتجريدها من هذا السلاح أو برنامجها النووي، إن وجد اصلا، بينما تغض الطرف عن السلاح النووي الإسرائيلي والأمريكي والروسي، والباكستاني والهندي والصيني والكوري وغيرها. وإن كنت شخصيا أعارض بشكل عام انتشار السلاح النووي وأدعو إلى تدميره، لكن الحق حق، فليس من حق تلك الدول اقتناء السلاح النووي وتمنعه وكما يقول الشاعر «أحرام على بلابله الدوح… حلال للطير من كل جنس»
قولوا ما بدا لكم، ولكن ليس المقصود مما تقدم تجميل وجه إيران التي يحكمها نظام ديني متعصب، وليس محاولة للتغطية على جرائمها في سوريا ومطامعها الاستعمارية في الدول العربية، وفرض أجندتها الطائفية، وسعيها لإقامة المثلث الشيعي الذي يمتد من حدودها الشمالية الغربية مرورا بالعراق، الذي قدمته الولايات المتحدة وبمساعدة العديد من الانظمة العربية لقمة سائغة لإيران، وسوريا وحتى لبنان.
وأخيرا رضينا أم لم نرض، علينا أن نعترف بأن إيران كما إسرائيل وتركيا هي قوى إقليمية رئيسية لها مصالحها ومطامعها، وعلينا أن نعترف أيضا بأنه ليست هناك دولة عربية واحدة يمكن وصفها بقوة إقليمية يحسب لها الحساب، بعدما تخلت مصر عن دورها هذا لصالح دولة الإمارات العربية العظمى!
هذه القوى يؤخذ برأيها في قضايانا نحن الداخلية ولا يؤخذ برأينا. إذن العيب ليس في هذه الدول وتحديدا إيران، بل العيب فينا نحن ويجب ألا نلقي أسباب عجزنا على هذه الدول، لاسيما إيران وتركيا، بعدما أصبحت إسرائيل حليفا. ونقول لهذه الأنظمة ليكن في ذلك عبرة لكم، وتكون هذه التجربة الإيرانية في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكم درسا في علوم السياسة ودرسا في احترام الذات والحفاظ على الكرامة، رغم اعتقادي أن قادة هذه الأنظمة تجاوزوا سن التعلم وفاتهم القطار.
وأختتم بالقول الناس تحترم القوي وتحتقر الضعيف وهذا طبعا ينطبق على الدول.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

شروط التعليق: التزام زوار "هنا العرب" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Copyright © All rights reserved | Hunaalarab
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com