Tue. Sep 17th, 2019

الامة العربية

al umma al arabia

.محاكمة الاستبداد في الإقليم العربي

.شفيق ناظم الغبرا

تابعت سلسلة المحاكمات لعدد من قادة العالم العربي ممن أسقطتهم حراكات المجتمعات العربية ومطالباتها بالحرية والإصلاح. في حوار هادئ الاسبوع الماضي مع د. محجوب زويري في جامعة قطر أخذنا الحديث ذات اليمين واليسار عن هذه المحاكمات ومعناها التاريخي واثرها المستقبلي. وقد انتهينا في الحوار إلى أن هذه المحاكمات لم تتعامل بشمولية مع مظالم الحقبة الاستبدادية العربية والجرائم التي رافقتها.
إن المحاكمات التي بدأت قبل الربيع العربي عبر محاكمة الرئيس السابق صدام حسين ثم بعد الربيع العربي عبر محاكمة الرئيس المصري حسني مبارك ثم مؤخرا محاكمة حسن البشير في السودان وأركان نظام بوتفليقة وشقيقه في الجزائر، لم تعالج المظالم الرئيسية التي أثارتها الحقب الاستبدادية العربية الحديثة. وفي السابق مثلا حوكم مثلا صدام حسين على مقتل عدد من الناس في إحدى مناطق العراق، ويحاكم اليوم حسن البشير على مبلغ وصل اليه أو مبلغ إنتقل اليه من الخزينة العامة أو من دول عربية.
لم يحاكم الديكتاتوريون العرب على «خيانة الأمانة» وخيانة «ثقة الناس» بهم، ولم يحاكموا على «سوء استخدام الصلاحيات» وعلى الحروب التي فجروها والإعدامات التي أقروها والقرارات المتسرعة والمتهورة التي صنعوها. لم يحاكم اي من الديكتاتوريين العرب على صناعتهم لدول بوليسية ديدنها نشر الرعب والخوف بين المواطنين، كما لم يحاكموا على تدميرهم للمجتمع العربي وتحويلهم الأخ للتجسس على أخيه والابن على أبيه، والشقيق على شقيقته. بل لم يحاكموا لتحويلهم المجتمعات لأمكنة فاقدة للروح والمبادرة والحس بالكرامة الإنسانية. لقد حول المستبدون العرب حلم كل شاب وشابه نحو الهجرة والهرب من تلك الأوطان المكسورة والأنظمة المتحجرة.
إن محاكمة الرئيس العراقي بعد 2003 كان يجب أن تشمل سوء استخدامه للسلطة من خلال شنه الحرب تلو الحرب من إيران إلى الكويت. بل كان يجب أن يحاكم الرئيس العراقي على الفتك بالانتفاضة العراقية في العام 1991، وعلى عدم تجنيب العراق للكوارث وصولا لسقوطه بالكامل تحت الاحتلال الأمريكي. بل كان يجب أن يحاكم الرئيس السابق صدام على جرائمه بحق رفاقه وأصدقائه ونخب العراق في حزب البعث وخارج حزب البعث، كما كان يجب ان يحاكم على المظالم التي مارسها بحق الاكراد والشيعة وكل معارضيه من سنة العراق. لم يكن اعدامه بعد محاكمات شكلية قرارا صائبا، فذلك الاعدام لم يكن سوى انتقام أكثر منه محاكمة حقيقية تبرز الوجه الحقيقي للاستبداد.

لم يحاكم أي من الديكتاتوريين العرب على صناعتهم لدول بوليسية ديدنها نشر الرعب والخوف بين المواطنين، كما لم يحاكموا على تدميرهم للمجتمع العربي وتحويلهم الأخ للتجسس على أخيه والابن على أبيه، والشقيق على شقيقته

من جهة اخرى ان كان من محاكمة للرئيس السابق حسن البشير فيجب أن تشمل كل الحقبة أيضا بدءا من الانقلاب العسكري الذي قام به ضد حكومة ديمقراطية منتخبة في العام 1989، مرورا بانتهاكات حقوق الانسان، كما أن البشير تسبب بخسارة جنوب السودان، وتسبب بانهيار الدولة وحروب أهلية ومجازر على يد الميليشيات التي أنشأها. يجب أن نتذكر أن الرئيس البشير متهم منذ 2009 من قبل محكمة الجنايات الدولية بجرائم ضد الإنسانية بسبب حرب جيشه في دارفور.
وبنفس الوقت: إن محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك ما كان يجب أن تركز فقط على مسألة واحده بقدر ما كان المطلوب محاكمة المرحلة بكل تجاوزاتها وفسادها. ألا يتطلب «من أين لك هذا» وتوريث الحكم في نظام جمهوري محاكمة ؟ ماذا عن تحويل الدولة نحو البوليسية والقتل كما حصل مع خالد سعيد الذي تحول لأيقونة الثورة؟ نتساءل كيف يصنع الفقر في مصر، فأن لم يكن النظام مسؤولا عن الفقر ونظام المساعدات الدولية، والبطالة فمن المسؤول؟
من المسؤول مثلا في زمن الرئيس مبارك عن سجن كريم عامر، وذلك التدمير النفسي الذي وقع له في سجون مصر لمدة وصلت لثلاث سنوات بدأت في 2006؟ وماذا كانت تهمة عامر كريم وعشرات غيره سوى «الاساءة لذات الرئيس» بينما اقحمت له تهمة تتعلق بالإسلام. لكن المظالم وسوء المعاملة في داخل السجن لم تعرف حدودا، وقد كتب فيما بعد عن ضابط السجن الذي اعتدى عليه وابقاه حبيسا. اين كريم عامر اليوم، وماذا يحصل لضحايا هذه الانظمة فاقدة الانسانية؟ منذ أيام شاهدت فيلما وثائقيا من صناعة كريم عامر وذلك بعد أن هاجر من مصر ودنيا العرب الى أوروبا. ما لا يعيه الحاكم العربي أن المظالم وما تثيره تغطي مساحات الكون، وهي مظالم ممتدة ومستمرة لأنها لم تحاكم ولم يتم التعامل معها.
كيف نتخلص من الاستبداد ان لم نحاكمه من خلال معرفتنا بواجبات الحاكم ودوره ومسؤولياته تجاه شعبه. بلا محاكمة الأفعال سيعود الاستبداد بحلة جديدة وشكل جديد وسيأخذ معه ما تبقى من عوالم العرب. ان أحد أخطر المسائل الملتبسة في الواقع العربي هي علاقة العرب بالدولة. فالدولة كانت ولازالت أداة للإثراء وللقمع واداة للفرض وللفساد، هذا لا يعني ان الدولة والنظام السياسي لا يقومان بالتنمية في حالات، لكن تلك التنمية تقع بسبب تقاطع المصالح وليس بسبب غاية هدفها المجتمع والنهوض بالشعوب.
إن تهمة تدمير الشعب وتدمير الدولة هي التهمة الحقيقية للمستبدين العرب. هذا لا يعني سجن الرؤساء كما يريد البعض أو تصفيتهم كما حصل مع القذافي ام إعدامهم كما حصل مع صدام حسين، فذلك انتقام لا ينهي الاستبداد، بل الأهم محاكمة المرحلة برموزها وثقافتها وببشاعتها وذلك بهدف بناء حاله لا تنهي الاستبداد وأمراضه. العرب في هذه المرحلة في حالة بحث عن الإصلاح الجاد والتغير الأشمل بهدف الخروج من البئر المغلق الذي وضعهم فيه المستبدون العرب.

استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

شروط التعليق: التزام زوار "هنا العرب" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Copyright © All rights reserved | Hunaalarab
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com