Mon. Oct 21st, 2019

الامة العربية

al umma al arabia

لجزائر: أليس فيكم رجل رشيد؟

دكتور محيي الدين عميمور

كان علي أن أعتكف بعض الوقت لأراجع نفسي وآرائي، وأمارس نقدا ذاتيا لكل ما قلته وكتبته، حتى لا أتحول إلى ما يشبه ثور المطحنة أو جمل الساقية، أدور وأدور وأدور لأجد نفسي دائما في نفس المكان.

وهكذا رحت أقرأ وأعيد قراءة كل ما كتبته منذ عدة شهور، ثم قمت بزيارة سريعة إلى منبع الربيع العربي في تونس، حيث قضيت أياما أحاول أن أقيّم ما أراه وأسمعه لأستفيد منه في نظرتي لأحداث الجزائر، وكانت لي جلسة مع عدد من الشخصيات هناك على رأسهم رئيس الوزراء الأسبق الهادي البكوش شفاه الله وعافاه، الذي أسعدني باستقباله واستنرت بحديثه.

وعدت إلى الجزائر ليقرضني صديقٌ آخِرَ روايات الدكتور علاء الأسواني، والتي حملت عنوان “جمهورية كأن”، وكان مضمونها استعراض لما تعرفه مصر من أحداث الثورة المضادة، يجسد وجهة نظر خصم شرس للقيادات الإسلامية والمسيحية ولحكم العسكر في أن واحد، فوضعت حديثي مع الأشقاء في خانة “المجالس بالأمانات”.

يبدأ علاء روايته باستعراض مطوّل لحياة الرجل التقي النقي، اللواء علواني، بدءا بتوجهه صباحا إلى المسجد المجاور ليصلي وسط الناس، وبدون أن يحول هذا بينه وبين اصطحاب أربعة من رجال الحرس المدجج بالسلاح المعد للإطلاق في أي لحظة، ويرفض في المسجد أن يؤم المصلين بل يُصرّ على أن يصلي في الصف الأخير، يطرق خاشعا وكثيرا ما تنهمر دموعه وهو يستمع إلى آيات القرءان يتلوها  الأمام (استعمل علاء كلمة “يتلو بدلا من “يرتل”، ولعله يعرف ما يفعله)

ويعود اللواء إلى بيته بعد الصلاة ليجلس في البهو الفسيح لقصره ليقرأ القرءان، بدءا بالمعوذتين وسور قصار ثم ما تيسّر من سورة البقرة (والمعوذتان هما آخر السور، ولا أفهم لماذا يبدأ بهما اللواء )

وبعد اكتمال الدورة الصباحية التي يلخصها علاء في الصلاة وتلاوة القرءان ثم الإفطار المكون من عسل النحل التي يأتيه من سفير اليمن في القاهرة، والتوست المدهون بطبقة من الجبن السويسري، وصفائح “بانيك” مغطاة بالفراولة والشوكولاه الساخنة، وكوبا عملاقا من الشاي بلبن، يعقبه فنجان من القهوة المضبوط  يخرج من الفيلّا ليركب سيارته المرسيدس السوداء المصفحة  التي تتحرك ببطء تحيط بها سيارتان من الحراسة وأربع دراجات نارية يقودها ضباط مسلحون.

ويصل إلى مقر جهازه الأمني فيأمر عامل المصعد لينزل به إلى غرفة التحقيق، حيث لفحه هواء القبو الرطب العطن، وهناك وقف أمام رجل معصوب العينين معلقا من يديه بحبل غليظ في حلقة معدنية تتدلّى من السقف، عارٍ تماما إلا من لباسه (سرواله) وقد غطت الكدمات والجروح جسمه، بينما تورم وجهه وتجلط الدم حول شفتيه وعينيه، ويسأله اللواء بصوت أجش (لا علاقة له بمن يرتل القرءان في صلاة الفجر)

–  اسمك إيه يا وله

– عربي السيد شوشه

– ارفع صوتك، مش سامع

– عربي السيد شوشه

– زعّق أكثر

وفي كل مرة يطلب فيها اللواء من الرجل أن يرفع صوته كان مخبرون ينهالون عليه ضربا بالعصا.

وتتواصل الأسئلة، ثم ينحني أحد المخبرين على جهاز أسود كبير يشبه جهاز التكييف، ويشد سلكا غليظا ينتهي بطرفين مستديرين ألصقهما بخصيتي الرجل، ثم يضغط على زرّ في الجهاز فيرتعد الرجل ويطلق صرخات حادة دوت في أرجاء القاعة، ويتكرر الصعق عدة مرات، ثم يصرخ اللواء:

– إحنا جبنا مراتك مروة..قسما بالله يابن الق…. (آسف) لو ما اتكلمت حاخلِّي العسكري ينطّ عليها قدامك.

ويأتي المخبرون بامرأة ترتدي جلبابا منزليّا ممزقا، مشعثة الشعر وعلى وجهها آثار الضرب، وهي تصرخ والمخبرون يضربونها.

ويصيح اللواء:

– قلّعوها.

ولما بدت ملابسها الداخلية ضحك اللواء علواني (الذي نسيَ المعوذتين) وقال:

– إيه الحلاوة دي.

– قلّعوها السوتيان.

– حلمة مراتك شكلها إيه يا عربي.

ويدلي الرجل باعترافات يعلم الله ما إذا كانت حقيقية أو لمجرد أن ينقذ زوجه من الاغتصاب.

…….

ثم يروح اللواء يتصل عبر الهاتف بمواقع معينة ليمكن أصهاره من الاستيلاء على أراضي الدولة، وأبناءه من الترقية في المناصب، ويقول لمخاطبيه الذين يملكون مقاليد الأمور بأن فلانا هو شقيق الزوج، والمطلوب أن يعامل كأي مواطن آخر مهمته تنمية اقتصاد الدولة، وأن ابنه تخرج من الجامعة ويجب ألا يحظى بأي ميزة في الحصول على عمل يُشرّف أسرته.

ويفهم المخاطَب أن المطلوب هو عكس الطلب على طول الخط.

……..

ويستعرض الأسواني بعض أحداث الأيام الثمانية عشرة، مرورا بكشوف العذرية التي قصد بها إذلال المتظاهرات…

تقول سامية إبراهيم:

– ابتدا العسكري يكهربني في بطني ويشتمني (ص 321) فاستسلمتُ ونمت وفتحت رجليا، دكتور قعد ييجي خمس دقائق بيكشف ..أنا نايمة وعريانة وفاتحة رجليا.. تصوري الدكتور سايبني بالوضع ده وماسك الموبايل بيلعب فيه…

….

يواصل الأسواني سرده ويستعرض أحداث ماسبيرو حيث كان الدور على الأقباط ليذوقوا نفس ما ذاق الآخرون.

……

وخلال مواجهة المتظاهرين السميين يطلق ضابط يدعى هيثم النار على جبهة خالد، وحيد والده،  فيرديه قتيلا على التو.

………

لم أستطع إكمال الرواية ذات الـ600 صفحة، فقد بدت لي تمثالا رائعا مصنوعا من البراز الإنساني النتن، وكان واضحا أن مضمون الرواية لم يكن تنديدا بالعسكر فقط وإنما بكل القيادات الدينية، مسلمة ومسيحية، ويبرز من الصفحات ما قد يشير إلى أن معلومات علاء الأسواني عن الإسلام في حاجة للمراجعة، فهو يتحدث عن أداء ركعتيْ السنة في صلاة العشاء في حين أن المعلوم من الدين بالضرورة هو أنها ثلاث ركعات، الشفع والوتر.

وفهمت للتو لماذا لا تصدق جماهيرنا فحيح قنوات المعارضة التي تستعرض ما يقوم به العسكر ضد المدنيين في مصر وغيرها وتعمم ذلك على الجزائر، التي يعرف كل مواطن أنها لم تشهد ما عرفته خلال العشرية الحمراء من قمع وتقتيل وتشريد علي يد من كانوا وراء الذين يطالبون اليوم بمدنية دولة، لا يوجد إلا عسكري واحد في كل أجهزتها السيادية، ويعرف كل مواطن  أن الجزائر، وبرغم الكثير من الأخطاء، لم تعرف حالة تعذيب أو كشوف عذرية، ناهيك عن القتل الممنهج والإهانات المتواصلة، ويعرف أن الاحتكارات الفرنسية التي تعمل على تصدير طائرات الرافال وحاملات الطائرات العمودية وزبدة “البريزيدان” تضع كل ثقلها لتسترجع عصابة الأمس سيطرتها في الجزائر على السياسة وعلى الاقتصاد وعلى حركة المجتمع، بواجهة سياسية تخصصت في رفع شعارات الديموقراطية والحرية.

والمؤسف هو أن القنوات الفرنسية تمارس عملية التضليل بذكاء، فلم تدّع قناة واحدة بأن هناك قتلى وجرحى في تظاهرات الجزائر، ولم تزعم قناة لها مخبروها المحليين وجود حالة تعذيب واحدة بين الذين اعتقلوا بتهم واضحة ومحددة، وليس لمجرد التظاهر السلمي.

مقابل هذا تواصل قنوات عربية عملية التضليل الغبي الذي يفقدها كل مصداقية عندما تندد، عن حق، بما يتعرض له الشعب المصري أو السوري من قمع، وهي بذلك تشكك في ما تقوله ولدرجة أن مواطنا سألني أول أمس: هل حقيقة هناك إعدامات في مصر كما قالت قناة الشرّ… قالها هكذا.

وأنا أشعر بالأسى لأنني كنت أنتظر من المناضلين الحقيقيين أن يدعو القوات المسلحة في بلادهم إلى الاقتداء بالجيش الجزائري، الذي حافظ على دماء مواطنيه ورفض الانزلاق نحو وضعية التسعينيات التي كلفتنا ربع مليون ضحية أو يزيد، أو على الأقل، مناشدة القيادات العسكرية استلهام التجربة التونسية التي مكنت بلاد الياسمين من الخروج، ولو بصعوبة، إلى برّ الأمان.

بدلا من ذلك، يستثيرون عداء رجال القوات المسلحة بشكل عام، وهم آلاف وآلاف من الرجال الذين يعيشون، بشكل أو بآخر، ما يعانيه شعبهم، ولكنهم يتضامنون آليا مع القيادات المجرمة لأنهم يسمعون صباح مساء الاتهامات بأن كل العسكر مجرمون، ولا يستطيعون نسيان أنهم …عسْكر.

 ولقد سبق أن قلت بأن المعارضة المصرية، والإسلامية منها على وجه التحديد، خلطت بين الاستراتيجية والتاكتيك، وهي تضع الجميع بغباء منقطع النظير في سلة واحدة، وهذا واحد من أسباب تغول النظام هناك، حيث أذرعه الإعلامية تطبق مبادئ جوزيف غوبلز بوفاء، هو أيضا منقطع النظير، وهو أيضا من أسباب فشلها في استنفار تأييد ذي قيمة من جل المستويات الدولية.

….

وبعد.

هذه سطور حجزتها بخامتها الأولية منذ أكثر من أسبوعين، ولم أرسل بها للجريدة، وأحسست ونتيجة لذلك أنني أصبحت عاجزا عن كتابة سطر واحد.

وأطلِقُ سراحها، لعل المقدرة على الكتابة تعود.

كاتب ووزير اعلام جزائري سابق

شروط التعليق: التزام زوار "هنا العرب" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Copyright © All rights reserved | Hunaalarab
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com